رؤية في النفط العراقي في ظل السياسة الدولية للحد من التلوث

رؤية في النفط العراقي في ظل السياسة الدولية للحد من التلوث

لقد أسهمت العديد من العوامل والمتغيرات الاقتصادية والبيئية والأمنية, في زيادة الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة, فما يزال النفط في الوقت الراهن يمثل المصدر الرئيس للطاقة عند مقارنته مع أنواع الطاقة الأخرى سواء كانت طاقة ناضبة أم طاقة متجددة, إلا إن هذا المصدر وبفعل عوامل ومتغيرات عديدة منها انخفاض مستوى الاحتياطيات النفطية المؤكدة بسبب النضوب الطبيعي للنفط والتأثيرات البيئية الناجمة عن احتراق الوقود الاحفوري, أصبح موضع شك بعدم قابليته للاستمرار في تأمين احتياجات الاقتصاد العالمي من الطاقة في ظل النمو الاقتصادي و السكاني العالمي المتوقع، فضلاً عن التوسع العمراني للمدن في المستقبل, الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى تطوير وتنويع مصادر الطاقة وزيادة الكفاءة في استخدامها والتحول نحو الطاقة المتجددة التي تعد اليوم الطاقة الملائمة بما تمتلكه من خصائص تحافظ على البيئة. ولكن أشكال الطاقة هذه لا تمثل في الوقت الراهن سوى نسبة صغيرة من إجمالي الطاقة المستخدمة.

إن لإنتاج النفط علاقة قوية بواقع الاقتصاد العراقي، كونه يلعب دوراً بارزاً ومؤثراً في عملية التنمية الاقتصادية، وتعتمد ميزانية الحكومة وبشكل كبير على العائدات النفطية، والتي تشكل ما نسبة (97%) من مجموع الإيرادات الحكومية، إذ يعد المصدر الأول للموارد المالية من العملات الأجنبية وبالتالي تكمن أهميته الإستراتيجية في تمويل أوجه الإنفاق الاستثماري اللازم لعملية إعادة أعمار بناء العراق. فضلا عن ذلك يعد النفط أهم الموارد الطبيعية التي يمتلكها العراق في الوقت الحالي وفي المستقبل, ومن المتوقع إن يحتل العراق مركز الصدارة في أسواق النفط العالمية نظراً لما يمتلكه من احتياطيات نفطية ضخمة مؤكدة, إذ يمتلك حوالي 8.7% من الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط, وحوالي 5.3% من الاحتياطي العالمي المؤكد من الغاز الطبيعي, فقد قدر احتياطي العراق من النفط الخام بحوالي 145.30 مليار برميل, واحتياطي الغاز الطبيعي 3694 مليار متر مكعب في نهاية عام 2013. أما الاحتياطيات غير المؤكدة من النفط الخام فتبلغ أكثر من ضعف الاحتياطيات المؤكدة, إذ تقدر بحوالي (300-350) مليار برميل. فضلاً عن ذلك هناك العديد من الحقول النفطية لم يجر تقويمها ومنها منطقة الصحراء الغربية التي يعتقد أنها تحتوي على (100) مليار برميل من الاحتياطي النفطي غير المستثمر, بمعني إن احتياطيات العراق النفطية تضاهي الاحتياطيات النفطية السعودية إن لم تكن تفوقها. لذلك فان احتياطي النفط العراقي وفقاً لهذه التقديرات الجديدة سوف يمثل خامس اكبر دولة من حيث احتياطيات النفط المؤكدة وثالث اكبر دولة من حيث احتياطيات النفط التقليدية بعد المملكة العربية السعودية وإيران. وتتباين الآراء حول حجم احتياطي النفط العراقي في المستقبل، مثلما تتباين التقديرات المتعلقة بمدة نفاده ففي الوقت الذي يقدر فيه البعض إن هذه المدة ستمتد إلى حدود (124) عاما بافتراض معدلات الإنتاج السائدة في الوقت الراهن وفي ضوء الاحتياطي المعلن؛ يرى خبراء نفطيون إن العراق يمتلك مكامن نفطية بحدود (300 – 450) مليار برميل، وهذا يعني أن مدة نفاد النفط العراقي على افتراض إنتاج ستة ملايين برميل يوميا تتراوح بين (139-208) سنه.

ومع تصاعد الاهتمام والوعي العالمي بمسائل التلوث البيئي والآثار السلبية الناجمة منه  شيئا فشيئا, فكان من البديهي أن ينصب الاهتمام والتأكيد على أكثر القطاعات تلويثا للبيئة، ويأتي في مقدمتها قطاع الطاقة بمصادره المختلفة والتي ترتبط بمشكلة الاحتباس الحراري وما يمكن إن ينجم عنها من تأثيرات على البيئة, فقد عقدت الأمم المتحدة وعن طريق المختصين العديد من الاجتماعات لحل هذه المشكلة ((الاحتباس الحراري)) وقد انبثق عن هذه الاجتماعات اتفاقية سميت (( اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ)) ومن ثم عقد العديد من الندوات في هذا المجال وكان أبرزها ندوة كيوتو عام (1997) المتعلقة بتخفيض حدة انبعاث غاز ثاني اوكسيد الكاربون الناتج عن استهلاك الوقود الاحفوري(النفط الخام), فقد أثبتت الدراسات إلى إن كل طن واحد مستهلك من النفط الخام يطلق (0.82) طن من غاز ثنائي اوكسيد الكاربون, إما الغاز الطبيعي فانه يطلق ما يقارب (0.63) طن من غاز ثنائي اوكسيد الكاربون عند استعمال ما يعادل طن من النفط حراريا, إما الفحم فانه يطلق (1.05) طن من غاز ثنائي اوكسيد الكاربون عند استعمال كمية من الفحم تعادل طناً واحداً من النفط حرارياً, مما دفع بلدان العالم بالبحث عن مصادر بديلة عن الطاقة الاحفورية.

وعلى الرغم من قيام بعض الدول وخاصة بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بالتحول التدريجي إلى أشكال الطاقة المتجددة, وإمكانية تحقيق زيادة في إنتاجها في المستقبل حتى عام 2030 وما بعده, إلا إن التوقعات تشير إلى صناعة الوقود الاحفوري ستبقى مهيمنة, وستلعب دوراً رئيساً في سد الفجوة بين الطلب والعرض على الطاقة, إلى أن تستطيع التكنولوجيا المتقدمة من تطوير البنية التحتية للطاقة المتجددة، تمهيدا لإنتاجها على نحو اقل كلفة وأكثر ملاءمة لمتطلبات النقل والتخزين والاستعمال.

 

وهنا بإمكان الدول المنتجة للنفط  الاستفادة من هذه الفرصة قبل الابتعاد التدريجي للعالم عن النفط من خلال لعب دور ريادي في سوق الطاقة العالمية عن طريق توسيع طاقاته الإنتاجية والتصديرية إلى الأسواق العالمية, و دراسة التوقعات المستقبلية لسوق الطاقة وجعلها إزاء أعين أصحاب القرار, وفهم تأثير التغيرات المناخية والتقنية في مجال الطاقة وخاصة على صناعة الوقود الاحفوري, فضلاً عن تحقيق الاستعمال الأمثل للفوائض المالية واستثمار جزء منها في تطوير الطاقات المتجددة بالشكل الذي يتماشى مع طبيعة الظروف الاقتصادية والسياسية في العالم.إذ إن هذه السياسات سوف تسهم في تخفيض حجم الإيرادات النفطية، ومن ثم تحد من استهلاك الوقود الاحفوري وبالتالي البحث عن مصادر الطاقة البديلة، وبما إن معظم البلدان المنتجة للنفط تعتمد وبشكل أساس على عوائد الصادرات النفطية وخاصة العراق التي تشكل أكثر من (97%) من عائدات الميزانية الوطنية، فأن أثارها ستكون سلبية في الاستثمارات النفطية المستقبلية وحركة التنمية الاقتصادية، فعلى الرغم من الاحتياطيات النفطية الضخمة في العراق إلا أن تطورات البيئة العالمية قد تنهي عصر النفط قبل إن يتمكن البلد من استثمار جميع هذه الاحتياطيات.



                                                                                                                  

إعداد: م. د احمد جاسم جبار الياسري

تدريسي في كلية الإدارة والاقتصاد/ جامعة ميسان

Share on Facebook

عدد المشاهدات 1263 مشاهد

نشر في 2016-04-07